الشيخ السبحاني

291

رسائل ومقالات

المقدّر لكلّ شيء . وليس هذا الحديث وحيد نسجه في هذا الباب ، بل الصحاح مليئة بهذه الروايات التي لا تنفك عن الجبر . روى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أُسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول : يا ربّ أشقي أو سعيد ؟ فيكتبان ، فيقول : أي رب أذكر أو أُنثى ؟ فيكتبان ، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ، ثمّ تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص . « 1 » وهذا الحديث يدلّ على أنّ الإنسان لا يستطيع تغيير مصيره بالأعمال الصالحة والأدعية والصدقات وأنّ الكتاب حاكم على مصير الإنسان فلا يزداد ولا ينقص . مع أنّ القرآن الكريم يصرح بإمكان تغيير المصير بالعمل الصالح والطالح فيقول سبحانه : « وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » . « 2 » وهذا الذكر الحكيم يدعو إلى الاستغفار الذي يغير المصير ويقول : « اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً » . « 3 » إنّ شعار المحدّثين خصوصاً السلفية منهم هو الصحيحان ، وهما من أصحّ الكتب بعد القرآن الكريم فلا يقبلان نقاشاً ولا خدشاً ، وبالتالي آمنوا

--> ( 1 ) . صحيح مسلم : 8 / 45 ، كتاب القدر . ( 2 ) . الأعراف : 96 . ( 3 ) . نوح : 10 - 12 .